العيني

160

عمدة القاري

ظاهره حقيقة في الوجوب إذا لم تكن قرينة صارفة عنه ، وكان ثمة قرينة على أنه لرفع الحرمة أي : للإباحة ثم إن الأصوليين اختلفوا في الأمر الوارد بعد الحظر . أهو للوجوب أم للإباحة ، ولئن سلمنا أنه الوجوب حقيقة فالإجماع هنا مانع من الحمل عليها . قوله : ( فأردت أن تعينوا فيها ) ، من الإعانة وفي رواية مسلم ، فأردت أن تفشوا فيهم ، وفي رواية الإسماعيلي : فأردت أن تقسموا فيهم . كلوا وأطعموا وادخروا . قال عياض الضمير في تعينوا فيها للمشقة المفهومة من الجهد أو من الشدة . أو من السنة لأنها سبب الجهد وفي تفشوا فيهم أي : في الناس المحتاجين إليها قال في ( المشارق ) ورواية البخاري أوجه وقال في ( شرح مسلم ) رواية مسلم أشبه ، وقال بعضهم : قد عرفت أن مخرج الحديث واحد ومداره على أبي عاصم ، وأنه قال : تارة هذا وتارة قال : هذا ، والمعنى : في الكل صحيح فلا وجه للترجيح . قلت : لا وجه لنفي الترجيح فكل من له أدنى ذوق يفهم أن رواية مسلم أرجح فمن دقق النظر عرف ذلك . 5570 حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ : حدَّثني أخِي عَنْ سُلَيْمَان عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَنْ عمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ الله عَنْها قَالَتِ : الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهَا فَنَقْدَمُ بِهِ إلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، بِالمَدِينَةِ فَقَالَ : لا تَأْكُلُوا إلاَّ ثَلاثَةَ أيَّامٍ وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ وَلاكِنْ أرَادَ أنْ يُطْعِمَ مِنْهُ وَالله أعْلَمُ . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( وليست بعريمة ) إلى آخره ، وإسماعيل بن عبد الله هو ابن أبي أويس ، وأبو أويس اسمه عبد الله وأخوه أبو بكر عبد الحميد ، وسليمان هو ابن بلال ، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري والحديث من أفراده . قوله : ( الضحية ) ، بفتح الضاد المعجمة وكسر الحاء . قوله : ( منها ) ، رواه الكشميهني ، أي : من الضحية . وفي رواية غيره . منه أي : من لحم الضحية . قوله : ( فنقدم ) بفتح النون وسكون القاف من القدوم ، وفي رواية : فنقدم ، بضم النون وفتح القاف وتشديد الدال من التقديم ، أي نضع بين يديه قيل هذا أوجه . قوله : ( لا تأكلوا ) أي : منه ، هذا صريح في النهي عنه . فإن قلت : وقع في رواية الترمذي من طريق عابس بن ربيعة عن عائشة أنها سئلت : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نهى عن لحوم الأضاحي ؟ فقالت : لا وبين الروايتين منافاة . قلت : لا منافاة لأنها نفت نهي التحريم لا مطلق النهي ، ويؤيده قوله في هذه الرواية : ( وليست بعزيمة ولكن أراد أن نطعم منه ) بضم النون وسكون الطاء أي : نطعم منه غيرنا ومعنى قوله : ( ليست بعزيمة ) أي : ليس النهي للتحريم ولا ترك الأكل بعد الثلاثة واجبا ، بل كان غرضه أن يصرف منه إلى الناس . واختلفوا في هذا النهي ، فقال قوم : هو منسوخ من باب نسخ السنة بالسنة ، وقال آخرون كان النهي للكراهة لا للتحريم والكراهة باقية إلى اليوم ، وقال آخرون : كان التحريم لعلة فلما زالت تلك العلة زال الحكم وجاء في رواية مسلم من حديث عبد الله بن واقد . قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، إلى أن قالوا : نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث . فقال : إنما نهيتكم من أجل الدأفة التي دفت فكلوا وادخروا وتصدقوا . وقال الخطابي : الدف بالدال المهملة وبالفاء الثقيلة السير السريع ، والدافة من يطرأ من المحتاجين . وقال ابن الأثير : الدافة قوم من الأعراب يريدون المصر يريد أنهم قوم قدموا المدينة عيد الأضحى فنهاهم عن إدخار لحوم الأضاحي ليفرقوها ويتصدقوا بها فينتفع هؤلاء القادمون بها . فإن قلت : قوله ، عليه الصلاة والسلام : كلوا يدل على إيجاب الأكل منها . قلت : قال الطبري ، رحمه الله . هو أمر بمعنى الإطلاق والإذن للآكل لا بمعنى الايجاب ، ولا خلاف بين سلف الأئمة وخلفها في عدم الحرج على المضحي بترك الأكل من أضحيته ، ولا إثم ، فدل ذلك على أن الأمر بمعنى الإذن والإطلاق ، وقال ابن التين : لم يختلف المذهب أن الأكل غير واجب ، خلاف ما ذكره القاضي أبو محمد عن بعض الناس أنه واجب ، وقال ابن حزم : فرض على كل مضح أن يأكل من أضحيته ولو لقمة فصاعدا . 5571 حدَّثنا حِبَّانُ بنُ مُوسَى أخْبَرَنا عَبْدُ الله . قَالَ : أخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حدَّثني